السيد كمال الحيدري

437

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

قيم حضارية وتشريعات اجتماعية . فابن مجتمع القبيلة ظهر على مسرح العالم والتاريخ فجأةً لينادي بوحده البشرية ككلّ ، وابن البيئة التي كرّست ألواناً من التمييز والتفضيل على أساس العرق والنسب والوضع الاجتماعي ظهر ليحطّم كلّ تلك الألوان ويعلن أن الناس سواسية كأسنان المشط و : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ( الحجرات : 13 ) ، وليحوّل هذا الإعلان إلى حقيقة يعيشها الناس أنفسهم ، ويرفع المرأة الموءودة إلى مركزها الكريم كإنسان تكافئ الرجل في الإنسانية والكرامة . وابن الصحراء التي لم تكن تفكّر إلا في همومها الصغيرة وسدّ جوعتها والتفاخر بين أبنائها ضمن تقسيمها العشائري ، ظهر ليقودها إلى حمل أكبر الهموم ويوحّدها في معركة تحرير العالم وإنقاذ المظلومين في شرق الدنيا وغربها من استبداد كسرى وقيصر . وابن ذلك الفراغ الشامل سياسياً واقتصادياً بكلّ ما يضجّ من تناقضات الربا والاحتكار والاستغلال ، ظهر فجأةً ليملأ ذلك الفراغ ويجعل من ذلك المجتمع الفارغ مجتمعاً ممتلئاً له نظامه في الحكم وشريعته في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية ، ويقضي على الربا والاحتكار والاستغلال ويعيد توزيع الثروة على أساس أن لا تكون دُولة بين الأغنياء ويعلن مبادئ التكافل والضمان الاجتماعي التي لم تنادِ بها التجربة الاجتماعية البشرية إلا بعد ذلك بمئات السنين . وكلّ هذه التحوّلات الكبيرة تمّت في مدّة قصيرة جدّاً نسبياً في حساب التحوّلات الاجتماعية .